السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
103
مختصر الميزان في تفسير القرآن
يسارعون في الكفر أي من المنافقين ، وفي وضع هذا الوصف موضع الموصوف إشارة إلى علة النهي كما أن الأخذ بالوصف السابق اعني قوله : « الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ » للإشارة إلى علة المنهي عنه ، والمعنى - واللّه أعلم - : لا يحزنك هؤلاء بسبب مسارعتهم في الكفر فإنهم انما آمنوا بألسنتهم لا بقلوبهم وما أولئك بالمؤمنين ، وكذلك اليهود الذين جاءوك وقالوا ما قولوا . وقوله : وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا عطف على قوله : « مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا » الخ ؛ على ما يفيده السياق ، وليس من الاستيناف في شيء ، وعلى هذا فقوله « سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ » خبر لمبتدأ محذوف أي هم سماعون ، الخ . وهذه الجمل المتسقة بيان حال الذين هادوا ، وأما المنافقون المذكورون في صدر الآية فحالهم لا يوافق هذه الأوصاف كما هو ظاهر . فهؤلاء المذكورون من اليهود هم سمّاعون للكذب أي يكثرون من سماع الكذب مع العلم بأنه كذب ، وإلا لم يكن صفة ذم ، وهم كثير السمع لقوم آخرين لم يأتوك ، يقبلون منهم كل ما ألقوه إليهم ويطيعونهم في كل ما أرادوه منهم ، واختلاف معنى السمع هو الذي أوجب تكرار قوله : « سَمَّاعُونَ » فإن الأول يفيد معنى الإصغاء والثانية معنى القبول . وقوله : « يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ » أي من بعد استقرارها في مستقرها والجملة صفة لقوله « لِقَوْمٍ آخَرِينَ » وكذا قوله : « يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا » . ويتحصل من المجموع أن عدة من اليهود ابتلوا بواقعة دينية فيما بينهم ، لها حكم إلهي عندهم لكن علماءهم غيروا الحكم بعد ثبوته ثم بعثوا طائفة منهم إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وأمروهم أن يحكّموه في الواقعة فإن حكم بما أنبأهم علماؤهم من الحكم المحرف فليأخذوه وإن حكم بغير ذلك فليحذروا . وقوله : « وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً » الظاهر أنه معترضة يبين بها أنهم في